أحمد بن محمد المقري التلمساني

320

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

حاله من الكتاب المؤتمن - كان هذا الرجل قيّما على « التهذيب » و « رسالة ابن أبي زيد » ، حسن الإقراء لهما ، وله عليهما تقييدان نبيلان قيّدهما أيام قراءته إياهما على أبي الحسن الصّغير ، حضرت مجالسه بمدرسة عدوة الأندلس من فاس ، ولم أر في متصدّري بلده أحسن تدريسا منه . كان فصيح اللسان ، سهل الألفاظ ، موفيا حقوقها ، وذلك لمشاركته الحضر فيما بأيديهم من الأدوات ، وكان مجلسه وقفا على « التهذيب » و « الرسالة » ، وكان - مع ذلك - سمحا فاضلا ، حسن اللقاء ، على خلق بائنة على أخلاق أهل مصره . امتحن بصحبة السلطان ، فصار يستعمله في الرسائل ، فمرّ في ذلك حظّ كبير من عمره ضائعا لا في راحة دنيا ولا في نصب آخرة « 1 » . ثم قال : وهذه سنّة اللّه فيمن خدم الملوك ، ملتفتا إلى ما يعطونه ، لا إلى ما يأخذون من عمره ، وراحته أن يبوء « 2 » بالصّفقة الخاسرة ، لطف اللّه بمن ابتلي بذلك وخلّصنا خلاصا جميلا ! . ومن كتاب « عائد الصلة » : الشيخ الفقيه الحافظ القاضي ، من صدور المغرب ، مشاركة في العلم ، وتبحرا في الفقه ، كان وجيها عند الملوك ، صحبهم وحضر مجالسهم واستعمل في السّفارة ، فلقيناه بغرناطة ، وأخذنا بها عنه ، تام السّراوة « 3 » ، حسن العهد ، مليح المجالس ، أنيق المحاضرة ، كريم الطبع ، صحيح المذهب . تصانيفه - قيّد على « المدوّنة » بمجلس شيخه أبي الحسن كتابا مفيدا ، وضمّ أجوبته على المسائل في سفر ، وشرح كتاب « الرسالة » شرحا عظيم الإفادة . مشيخته - لازم أبا الحسن الصّغير ، وهو كان قارىء كتب الفقه عليه ، وجلّ انتفاعه في التفقّه به ، وروى عن أبي زكريا بن يس ، قرأ عليه كتاب « الموطأ » إلّا كتاب « المكاتب » وكتاب « المدبّر » فإنه سمعه بقراءة الغير ، وعن أبي عبد اللّه بن رشيد ، قرأ عليه « الموطأ » و « شفاء » عياض ، وعن أبي الحسن بن عبد الجليل السرواتي « 4 » ، قرأ عليه « الأحكام الصغرى » لعبد الحق ، وأبي الحسن بن سليمان ، قرأ عليه « رسالة ابن أبي زيد » ، وعن غيرهم . وفاته - فلج بأخرة فالتزم منزله بفاس يزوره السلطان ومن دونه ، وتوفي بعد عام ثمانية وأربعين وسبعمائة ؛ انتهى .

--> ( 1 ) النصب : التعب . ( 2 ) يبوء : يرجع ، والصفقة : أصلها ضرب اليد على اليد عند البيع ثم أطلقت على المرة الواحدة من البيع . ( 3 ) السراوة : السخاء في مروءة . ( 4 ) في ب « السدراتي » .